موضوعات

[نجيب محفوظ ] عبقري الرواية العربية

[نجيب محفوظ ] عبقري الرواية العربية



"لست بطلاً بالتأكيد، أنا شخص ما يحب الأدب، شخص ما يؤمن بعمله ويخلص له، ويحبه أكثر من حبه المال أو الشهرة، لو أتى المال وأتت الشهرة فمرحباً بهما، لكنهما لم يكونا غايتي أبداً، فأنا أحب الكتابة أكثر من أي شيء آخر". 
بهذه الكلمات المتواضعة ودع الراحل العظيم نجيب محفوظ الدنيا في ضحية الثلاثين من أغطس عام 2006، كان يعلم جيداً أن الحياة في مصر صعبة، وأن الأمر يحتاج إلى صبر وجلد كبيرين حتى يتمكن من المواصلة، بهذا الإحساس من التقشف والزهد عاش حياته التي امتدت إلى 95 عاماً شاهد فيها الشطر الأكبر أحداث القرن العشرين، كان نجيب محفوظ من أكثر كتاب مصر في التقائه مع الحياة اليومية وأكثرهم معرفة لمعاناة وآلام الرجل البسيط؛ فقد عاش موظفاً في الشطر الأكبر من عمره، وأفادته الوظيفة، حيث أمدته بعشرات من النماذج الإنسانية، ولم ينعزل يوماً عن الناس فظل المقهى بالنسبة له هو المكان الأمثل للجلوس والمسامرة ولقاء الأصدقاء. 


تدفق سردي

يقول الكاتب والمفكر أدوارد سعيد عن نجيب محفوظ: ومثل شخصياته، التي يتم التعرف عليها دائماً فور ظهورها، يصل إليك محفوظ مباشرة، يغمرك في تدفق سردي كثيف، ثم يتركك تسبح فيه وحدك طوال العمل مواجهاً تيارات ودوامات وأمواج حيوات شخصياته، وتاريخ مصر تحت حكم رؤساء وزارات مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس وعشرات من التفاصيل الأخرى حول الأحزاب السياسية العائلية وما إلى ذلك بمهارة استثنائية. 


الثلاثية ودراسة الأجيال

والثلاثية - بحسب أدوارد سعيد - هي تاريخ رب الأسرة ، "السيد أحمد عبد الجواد" وأسرته عبر ثلاثة أجيال، بينما تمدنا بمقدار هائل من التفاصيل السياسية والاجتماعية، وتعتبر الثلاثية أيضاً دراسة للعلاقات الحميمة بين الرجال والنساء. 
وبعد فترة صمت تزامنت مع السنوات الخمسين الأولى تلت الثورة المصرية عام 1952 بدأت أعمال محفوظ تتدفق بتعاقب متواصل؛ روايات، وقصص قصيرة وصحافة، ومذكرات ومقالات، وسيناريوهات. ومنذ محاولاته الأولى لتقويم العالم القديم أصبح نجيب محفوظ كاتباً استثنائياً غزير الإنتاج وأحد المرتبطين بتاريخ عصره، ومع ذلك كان مصمماً على استكشاف مصر القديمة مرة أخرى؛ لأن تاريخها سمح له بأن يكتشف هنالك ملامح عصره، منعكسة ومقطرة، كي تلائم بالأحرى غايات معقدة تخصه هو. 


تأملات في عالم نجيب محفوظ

يقسم الناقد الدكتور محمود أمين العالم في كتابه (تأملات في عالم نجيب محفوظ) التأملات إلى ثلاثة أقسام؛ أولها وأكبرها يحمل عنوان (ثلاث مراحل متداخلة في روايات نجيب محفوظ) وهو في حقيقته تطبيق لمنهج نقدي وضع العالم أسسه النظرية ويؤكد الناقد أولاً وعيه بأن المراحل ليست فاصلاً حاسماً، وإنما تحدد طوابع أساسية ثم نراها وهي تتداخل بدرجات في الأعمال الإبداعية التي انتظمت في:
 1- المرحلة التاريخية وفيها روايات عبث الأقدار 1939 ثم رادوبيس وكفاح طيبة. 
2- المرحلة الاجتماعية وتضم: القاهرة الجديدة 1946، خان الخليلي، زقاق المدق السراب، بداية ونهاية، وما يعرف بالثلاثية: بين القصرين، قصر الشوق، الشارية. 
3- المرحلة الفلسفية وفيها أولاد حارتنا 1959 واللص والكلاب، السمان والخريف، الطريق، الشحاذ 1995.
وأما القسم الثاني فهو متضمن مقالتين حول عملين روائيين وكانتا نشرتا قبل دراسة المعمار الفني (بين القصرين 1957) و(الطريق 1964) ويستفيد القارئ من تفاصيل وجوانب من الأحكام النقدية السريعة المقترنة بصدور الروايتين، وفي جانب نطالع تحليلاً لأحدث رواية في تلك المرحلة وهي (ميرامار 1967) مع إشارة خاطفة إلى رواية (ثرثرة فوق النيل 1966)، وبهذا يكون الناقد عرض (تفصيلاً أو إشارات متفاوتة) ثماني عشرة رواية لمحفوظ هي كل ما أبدعه ونشره. 
أما القسم الثالث: فيتناول ثلاثاً من مجموعات القصص القصيرة وهي (بيت سيئ السمعة 1965) و(خمارة القط الأسود) و(تحت المظلة 1969) وفي أثناء تحليلها يشير ويقارن بالمجموعتين السابقتين (همس الجنون 1948) و(دنيا المال 1963) فيتمكن القارئ من تكوين تصور مجمل عن أجواء القصص وأساليبها الفنية.


نجيب محفوظ والمقاهي

إذا كان نجيب محفوظ قد قضى نصف عمره في مصر الملكية ونصفه الآخر في مصر الجمهورية، فقد قضى عمره بالكامل في المقاهي؛ إذ ظل يتردد لأكثر من عشرين سنة على مقهى "عرابي" في حي الجمالية وظل أكثر من عشر سنوات أخرى يتردد على "كازينو الأوبرا" وظل سنوات عشراً أخرى يتردد على مقهى "ريش" ولا نعلم كم سنة تردد على مقهى "بابا" في ميدان التحرير وكم سنة تردد على مقهى "كازينو قصر النيل" الواقع بين ميدان التحرير وشيراتون القاهرة، وهما المقهيان اللذان التقى فيهما الناقد جهاد فاضل مع نجيب محفوظ لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة.


نصير الفصحى الذي لا يلين

وكما قدم روايات خالدة، اعتبر إزاءها عملاقاً للرواية العربية ونال جائزة نوبل للأدب عام 1988، قدم أيضاً مواقف مشرفة؛ فمنذ بدأ الكتابة سنة 1928 وعلى مدى سبعين عاماً اختار أن تكون كتاباته بالعربية الفصحى وظل متمسكاً بهذا الموقف حتى النفس الأخير، ولم يستجب للدعوات الكثيرة التي كانت تطالبه بأن يكتب حوار رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته باللهجة العامية المصرية.
وكان من هؤلاء الذين انتقدوا إصراره على الفصحى أحد مترجمي رواياته إلى الإنكليزية، وهو المستشرق ديزموند ستيوارت الذي علق على موقفه من العامية بقول يعكس الغيظ والغضب: "إن التزام نجيب محفوظ بالعربية في كتابة الحوار مخل بمطلب الواقعية، وهو عند نجيب محفوظ نوع من العناد الطارئ لا يؤدي وظيفة فنية صحيحة". وقد دافع نجيب محفوظ مراراً عن هذا الموقف أي عن اختياره العربية الفصحى في أعماله الأدبية المختلفة، فذكر أن اللغة العامية من جملة الأمراض التي يعاني منها الشعب والتي سيتخلص منها حتماً عندما يرتقي، وأنا أعتبر العامية من عيوب مجتمعنا مثل الجهل والفقر والمرض تماماً والعامية مرض أساسه عدم الدراسة، والذي وسع الهوة بين العامية والفصحى عندنا هو عدم انتشار التعليم في البلاد العربية، ويوم ينتشر التعليم سيزول هذا الفارق، أو سيقل كثيراً، ألم تر تأثير انتشار الراديو في لغة الناس، حيث بدؤوا يتعلمون الفصحى ويفهمونها ويستسيغونها؟
أنا أحب أن ترتقي العامية وأن تتطور الفصحى لتتقارب اللغتان وهذه هي مهمة الأدب.


آخر مقالات في القسم