موضوعات

السنع في الشعر الشعبي

السنع في الشعر الشعبي


[الحث على مكارم الأخلاق]


"مكارم الأخلاق" يقابلها في المصطلح المحلي أو اللهجة المحلية الإماراتية "السنع" وفي المصطلحات الحديثة "الاتكيت" على وجه التقريب. وفي اللغة: (سنع: طال وارتفع، وجمل وحسن، وهو سنيع وهي سنيعة، والسنيعة أيضاً المرأة الجميلة، اللينة المفاصل، اللطيفة العظام، ويقال: هو أسنع منه، أي: أفضل منه وأطول).


الباحث عتيق القبيسي:
 في دراسة ضمن إصدارات متخصصة في التراث الثقافي لمعهد الشارقة للتراث بعنوان "السنع في الشعر الشعبي" للباحث الكاتب عتيق القبيسي من دولة الإمارات، حث فيه على مكارم الأخلاق من خلال طرحه مفهوم السنع وعلاقته بسلوك الأفراد، والتحديات المؤثرة في السنع، واستعراض الباحث لنخبة من شعراء الحكم في الإمارات لهم مساهمات شعرية في نشر قيم السنع، مركزاً على المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها، طيب الله ثراه، كقدوة ونموذج يحتذى به في التعامل والسنع ومكارم الأخلاق، وكذلك تطرق لشعراء آخرين كان لقصائدهم الأثر الطيب في تسنع قارئيها، وتداولتها الأجيال، وتحاكت بها الركبان عبر الزمان، مذكرة بضرورة التمسك بالعادات الفطرية السليمة.


مفهوم السنع:
 السنع يحمل معاني جميلة ترتبط بألفاظ وسلوك الأفراد في تعاملاتهم وأسلوب حياتهم اليومية، ويعبر في ثناياه عن الموروث القويم الذي توارثه الآباء عن الأجداد، ليجسد أسلوب الحياة وأصول التعامل بين الناس وآداب التواصل بينهم على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والعمرية ومستوى العلاقة بينهم؛ فالسنع هو الاختصار الأمثل لمفهوم (مكارم الأخلاق).


أهل السنع:
 يشير الباحث قائلاً: في اللهجة الإماراتية الدارجة يقال عن الشخص الوقح أو الذي لا يحترم الآخرين (فلان ما فيه سنع، أو مب متسنع)، أي معدوم أو قليل التربية، ويقال للأب إذا أخطأ ولده: (سنِّع ولدك)، أي علمه الأدب وقوِّم سلوكه، ويقال للرجل الذي له مواقف مشرفة (راعي السنع)، أو (ريال سنع)، ويقال للقوم (يعرفون السنع)، أو (أهل السنع)، كونهم يتحلون بمكارم الأخلاق، لذلك نسمع دائماً أن أهل الإمارات (أهل السنع).


العادات الحميدة:
 وتطلق كلمة سنْع (بتسكين النون) أيضاً على الطعام الجيد، وكذلك على الدابة المؤدبة المروضة فيقال: هذه الخيل سنعة، وتأتي أيضاً بمعنى اصنع كقولهم (سنع غدا لضيوفك): أي غداء لضيوفك، ولا بد من أن تكون الصناعة متقنة لتندرج تحت اسم (سنع)، ويندرج تحت اسم السنع كل ما هو حميد من العادات والصفات والسلوكيات منها على سبيل المثال: الاهتمام بالمظهر العام بارتداء الملابس التي تستر وتدل على جنس مرتديها من ذكر أو أنثى، الستر والعفة عند النساء، آداب المجالس، آداب الطعام، بر الوالدين، إغاثة الملهوف، إكرام الضيف، احترام الكبير، الحنو والعطف على الصغير، الرحمة واللين مع المستخدمين والموظفين الصغار، حسن التعامل مع الآخرين، آداب المخاطبة، آداب السير واحترام حقوق الطريق، صيانة أعراض الناس، الصدق، الأمانة، احترام المواعيد والمعاهدات، آداب الحديث مع الجنس الآخر.


الآباء في تسنيع الأبناء:
 في الماضي وبعض بيوت اليوم يبدأ غرس أصول (السنع) من قبل الوالدة إذ تعلم ابنها أو ابنتها الأصول أو إتيكيت التعامل والتخاطب والتصرف، وتبقى البنت تحصِّل تعليمها وتسنيعها من أمها، بينما ينتقل الابن بعد السابعة من عمره أو قبلها بقليل إلى مرافقة الوالد، فيبدأ بمخالطة الرجال وخدمتهم وتقليد تصرفاتهم، فينشأ رجلاً تأدب وتدرج في مراحل التسنع.
 النشء.. نعم النشء في آدابه
 لا في ملاحته ولا هندامه
 (شلبي ملاط)
 لذلك نجد أخطاء البنت تجر اللائمة على أمها التي تتهم بالتقصير في تسنيع ابنتها وتربيتها التربية اللائقة، بينما الابن يلحق بأبيه اللوم في حال انحرافه وسوء سلوكه، فقد كان للبيت الدور الأول والأهم في تقويم وتسنيع سلوك الطفل. مضيفاً الباحث: وأقول: «كان» لأن بعض البيوت اليوم غاب عنها سنعها، وأوكلت مهمة تربية وتهذيب الطفل إلى الخدم، لارتباط الأم بالوظيفة أو لتخليها عن دورها التربوي إن لم تكن موظفة.
 هي الأخلاق تنبت كالنبات
 إذا سقيت بماء المكرمات
 (معروف الرصافي)


دور المسجد:
 كما كان للمسجد دور كبير في صقل سلوك الناشئة، ويرى الباحث كذلك أن المساجد تخلت هي أيضاً عن وظائفها المتعددة التي كانت منوطة بها في الماضي وأصبحت مكاناً يرتاده بعضهم لأداء فريضة الصلاة فحسب إذ كانت لـ(المطوع) هيبة وتقدير في الحي الذي يؤم فيه، وكان المعلم والمربي بعد الوالدين.


المجتمع:
 ثم يأتي دور المجتمع الذي يتعامل أفراده كأنهم أسرة واحدة، فيجد الشاب نفسه في طابور منيع من موانع الانحلال والخروج على الأعراف والتقاليد، لهذا نجد أن الذي يخرج على حدود مجتمعه حانقاً متذمراً من توجيهاتهم وانتقاداتهم وتأنيبهم سرعان ما تفترسه أنياب الضياع وفقدان الهوية، ومنهم من يعود نادماً لأنه عرف حجم الخطأ الذي وقع فيه بخروجه على الأعراف والتقاليد، وهم الغالبية ولله الحمد والمنة، ومنهم قلة من ينجرف فتسوء عاقبته.
 فيتساءل الباحث: فهل يعود كل من البيت والمسجد والمجتمع إلى ممارسة أدوراه الطبيعية من أجل تنشئة جيل مرتبط بعادات وتقاليد أجداده متمسك بسنع الأولين؟!
 وقال: نلاحظ في هذه الأيام انسلاخ بعض شباب الجيل الحالي عن جذورهم وعادات آبائهم ليعتنقوا عادات وتقاليد غيرهم ممن لا ينتمون إلى مجتمعهم الإسلامي بحجة مواكبة التطور للوصول للعالمية، وليس من باب التهويل أو المبالغة إذا قلنا إن بوادر تخلي بعض الشباب والشابات عن أصول مجتمعهم قد تزايدت في الزي، وأسلوب التعامل، والحديث والاحترام، ولن يتمكنوا من الانطلاق نحو بناء المجد والتطور لوطنهم الإمارات ولأمتهم الخليجية والعربية ما لم يعودوا إلى تلك الأصول فيأخذوا بأحسنها ويتعاونوا على تناقلها عبر الأجيال.
وكما قال الشاعر سالم الجمري:
 وصرنا نقلدهم على الرغم منا
 ونتبع أوامرهم ونصفق لهم راح
 من عقب ما يتجند الأب بندقه
 مع خنجر يعتادها تحت لو شاح


حالات السنع:
 السنع يدخل في كل تعاملات الأفراد الصغار والكبار، وهناك العديد من المجالات للسنع، كسنع التعامل مع الوالدين والأقارب والجيران، وسنع التعامل في المجالس وأصول الضيافة، وواجب الجار تجاه جاره، والإخلاص للعمل وأيضاً للآخرين، والسنع في احترام كبار السن والصداقة والتعامل بين الأصدقاء، والأمانة وكرم الأخلاق، وكل جوانب التعاملات بين الأشخاص.
 وتبقى الأسرة النواة الأساسية في زرع قيم السنع في نفوس أفرادها وصمام أمان لمجتمع تسوده القيم الحميدة.


الأغراض الشعرية:
 تناول شعراء الإمارات كثيراً من الأغراض الشعرية التي تخص السنع الإماراتي الأصيل، فكان لذلك الأثر الكبير في الساحة الشعرية الإماراتية لنشر قيم ومعاني السنع في مجتمع الإمارات، فهناك كثير من الأبيات الشعرية التي تحث على حسن المعاملة واحترام الآخرين، وإكرام الضيف، وحث الشباب على العمل والمثابرة وحسن اختيار الأصدقاء وأصول المعاملة، والعفة، والأدب، وشهامة الرجال، وغيرها من المعاني الحميدة.


آخر مقالات في القسم