موضوعات

[ملف العدد] العنف الإلكتروني...

[ملف العدد] العنف الإلكتروني...


اللفظ...أشد عنفاً في عصر التواصل الاجتماعي


 من إعداد: د. حسين الأنصاري/ بغداد - فتحي حسين/ مصر - إسراء البدر/كندا


رغم ما حققته الثورة المعلوماتية من معطيات إيجابية بفعل التطور التقني والتوسع الاتصالي عبر الفضاءات المفتوحة نتيجة استخدام الأقمار الاصطناعية وانتشار القنوات التلفازية والإذاعية إلى جانب ما يتحقق كل يوم من ابتكارات وإضافات في مضمار الشبكة المعلوماتية والثقافة الرقمية، تواصل شركات التكنولوجيا المعروفة أمثال مايكروسوفت، أبل، غوغل، أمازون، أي بي إم، أنتل، اسينت، أي باد، وفيسبوك التي تجاوز عدد مستخدمي هذا الموقع أكثر من المليار في العالم، إنتاج أجيال متقدمة من الأجهزة والبرامج الإلكترونية وتحقيق طفرات تقنية سواء في مجال صناعة الأجهزة الذكية أو شاشات العرض المنحنية والقابلة للالتواء أو أجهزة الحاسوب اللوحية أو الأجهزة التي يمكن ارتداؤها مثل نظارات جوجل كلاس، وأنواع متطورة جداً من الكاميرات أو حذاء نايك الذي يتوفر على قدرات اتصالية عبر البلوتوث أو من خلال تطوير المعالجات المركزية ومحركات البحث أو الألعاب الإلكترونية وغيرها من الابتكارات والاختراعات التي من المفروض أن تكون في خدمة الإنسان وتسهل أداء أعماله اليومية وتلبي احتياجاته الحياتية في الاتصال القريب منها أو عبر قارات العالم، لكن هذه المنتجات الإلكترونية أصبح البعض منها ذا استخدامات سلبية وأضحت تشكل عوامل أساسية في نشر العنف والإرهاب، وبدلاً من أن نستفيد منها وندرك معطياتها وإمكاناتها الإيجابية صارت توظف لمزيد من إثارة المشاكل والنيل من الآخرين والإساءة لسمعتهم والتحرش والتشهير بهم وأحياناً تهديدهم أو إظهار صورهم بطرق سيئة بعيداً عن القيم الأخلاقية بعد معالجتها عبر برامج معينة مثل:
  photoshop, Adobe photo ،Paint net, Pic monkey, Serif photo ... وغيرها
Corel paint, Gimp

إن ما أفرزته بيئتنا الجديدة في ظل شيوع واستخدام الثقافة الرقمية خلال العقود الأخيرة انعكست آثاره بوضوح على فئتي الأطفال والشباب من كلا الجنسين كما تشير إلى ذلك الدراسات العلمية حيث تؤكد نتائجها على أن نسبة مستخدمي الأجهزة الخلوية والحاسوب والإنترنت تزداد لدى المراهقين والشباب وهذا سرعان ما ينعكس على حياتهم وسلوكهم ومعتقداتهم، ولعل التعرض للأفلام والصور وألعاب الفيديو وما شابهها سرعان ما يترك آثاره النفسية والجسدية ويكون دافعاً للتقليد وممارسة العنف كما لو أنهم قد نشؤوا في بيئة حقيقية للعنف. 
ولعل ما يزيد من مخاطر العنف الإلكتروني هو كون من يقومون بهذا العمل غالباً أشخاصاً مجهولين يتخفون وراء أسماء مستعارة، وبذلك يكون من الصعب تعرّف جناة العنف الإلكتروني أو كيفية حماية المستخدمين من هذه التهديدات والتسلط، وهؤلاء يستخدمون طرقاً مختلفة في ممارسة العنف الإلكتروني كالرسائل النصية، البريد الإلكتروني، اليوتيوب، مواقع الدردشة، التي أصبحت فخاً لتصيّد الضحايا والإيقاع بهم بطرق وإغراءات متنوعة.
وما ساعد في المخاطر أيضاً هو التنافس المحموم لإنتاج المزيد من ألعاب الفيديو الموجهة لجمهور الأطفال ومن بين الألعاب السيئة الصيت التي تساهم في خلق وتنمية السلوك العدواني أفلام وألعاب مثل: سرقة السيارات الكبرى، الشر المقيم، هاري القذر، المحارب، قتلة بالفطرة وغيرها الكثير.
 إن التنشئة على الأفكار العدوانية من شأنها أن تقود إلى تعزيز السلوك العدواني بما يجعل ذلك مرافقاً للإنسان في المراحل المتقدمة وربما يكون أشد خطورة، بل إنه يتحول إلى عنف ضد المجتمع ككل.
وتتعرض النساء وفقاً للدراسات إلى تهديد العنف الإلكتروني أكثر من الرجال، وقد واجهت العديد من المستخدمات أنواعاً من العنف كالتحرش والملاحقة والمراقبة والتجسس وإرسال نصوص بعبارات بذيئة، أو تسجيل مقاطع صوتية أو مرئية بعد إجراء عملية المونتاج عليها في محاولة للاستغلال والابتزاز الإلكتروني.
 أما بالنسبة للرجال والبالغين فلا تخلو الحالة من تداول خطاب العنف أو ترويج لأفكار تحريضية والرد على الآخرين ممن يساهمون في النشر الإلكتروني بطرق تغيب عنها اللياقة والمسؤولية وأحياناً يكون فيها الاتهام والحكم جائراً وقاسياً دون توفر الأدلة فالبعض يحاول الإساءة والتشهير والتكفير والانتقاص من شخصية البعض أو يسعى لإذكاء روح الشقاق وإثارة الصراع والعدوانية بين أوساط الطوائف من خلال تناول أفكار بعض الطوائف والأديان والمعتقدات بطرق تسيء لها، وهذا ما يدعو إلى الانقسامات والاختلافات وربما يقود لحروب طائفية كما حصل في بعض الدول، لاسيما حين يتم إنشاء مجموعات من الفيسبوكيين أو من خلال مواقع أخرى تتفق فيما بينها لنشر أفكار هدامة أو عدائية سواء ضد الأفراد أو الحكومة والمجتمع.
لقد بات الأمر يشكل أكثر من تهديد ومخاطر آنية ومستقبلية، لذا يتحتم اتخاذ الإجراءات الكفيلة للحد من تأثيرات العنف الإلكتروني، وهذا يتطلب اعتماد سياسات جديدة للحكومات ووضع ضوابط ومحددات تتعلق بممارسات الاستخدام وكيفية التعامل والاتصال عبر المواقع الإلكترونية وعدم استغلال الحريات الممنوحة باستخدامات غير مشروعة قانونياً وأخلاقياً، كما ينبغي العمل على المزيد من نشر برامج التوعية والتثقيف والتربية على حسن استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية، ولعل هذا يقع على عاتق الجميع من الأسرة والمدرسة والمراكز الثقافية والاجتماعية والمنظمات والجمعيات ووسائل الإعلام المختلفة بغية معالجة ظاهرة العنف الإلكتروني أو محاولة الحد منها وتطويقها.


من كندا

الطفرة التكنولوجية التي شهدتها حياتنا في السنوات الأخيرة غيرت الكثير من أساليب الحياة الاجتماعية والأخلاقية والسلوكيات التي كان عليها الناس في الماضي والبعض وجد من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتنفيس بل وتراشق العبارات البعيدة عن الأخلاق الإنسانية وتبادل الشتائم والإهانات والتجريح، خاصة وأن الكثير منهم وجد في إمكانية الدخول بأسماء مستعارة مجالاً واسعاً للنقد والتجريح، لكن ربما يقول البعض أن هذه السلوكيات الدخيلة على بعض المجتمعات العربية قد تختلف بعض الشيء ولا يتم التعامل بها من قبل العرب الذين يعيشون في الغرب في دول أوربية أو أمريكا أو كندا، لأنه من المفروض أنهم اعتادوا أجواء الديمقراطية واحترام آراء الآخرين وحريتهم في إبداء آرائهم دون قيود أو تجريح، لكن نرى للأسف أن البعض منهم بقي على ما كان عليه ونقل هذه السلوكيات إلى مجتمعه الجديد في الغرب الذي يعيش فيه، لتسليط الضوء على تجربة الكنديين العرب مع وسائل التواصل الاجتماعي كان لمرامي هذا الحوار مع الدكتورة "سيار أبو هنطش"، مختصة في شؤون اللجوء والهجرة ورئيسة تحرير موقع كندا اليوم الإخباري.


 هل يقوم المتابعون لموقع كندا اليوم والمواقع العربية الأخرى في كندا بتبادل الشتائم وتجريح الآخرين وما أسباب ذلك؟
المشكلة الرئيسية أن المتابعين لموقعنا أو حتى في كثير من المواقع في الدول العربية لا يقرؤون الخبر كاملاً بل يكتفون بالاطلاع على الصورة أو قراءة عنوان الخبر وعندها يحدث الهجوم من خلال التعليقات الذي قد يرافقه سيل من الشتائم والتهديدات فيما بين القراء المتابعين بل إن البعض يكتب تعليقاً مستفزاً وعندما يتم الرد عليه من بعض المتابعين بكلام جارح أو بعض الشتائم يرجع على إدارة الموقع ويشتكي مما حدث في حين أن بإمكانه أن يتجنب هذا كله فقط بمسح وإلغاء تعليقه حتى لا يصله Reply والرد عليه وهنا ننصح المتابعين بأن يقرؤوا الخبر أو التقرير جيداً قبل أن يقوموا بالتعليق عليه.


برأيك الحياة في الغرب وكندا ألم تغير تفكير وأساليب الحوار لدى بعض العرب الذين يعيشون في الغرب لكيلا يمارسوا العنف الإلكتروني؟
للأسف الكثير من العرب في كندا وبقية الدول الغربية الأخرى خاصة من بعض المهاجرين واللاجئين الجدد من مختلف الدول العربية حملوا معهم طائفيتهم وتحزبهم والانحياز الديني وهذا انعكس على تعليقاتهم وآرائهم التي بينت مدى ما يفكرون به وعلى الرغم من عيشهم في دول غربية ومنها كندا، لكن أساليب تفكيرهم وطائفيتهم بقيت معهم ولم يستطيعوا التخلص منها، وهنا أبين أن أغلب من يصدر منهم ذلك هم محدودو التعليم والثقافة؛ لأنه لا يدرك المعنى الحقيقي لأهمية احترام آراء الآخرين والتعبير عن رأيه دون أي تجريح أو كتابة كلمات غير أخلاقية فيها إهانة للآخرين وأن أي شخص يكتب تعليقاً يجب أن ينتبه إلى أن ذلك انعكاس لشخصيته وأفكاره ومدى رقي أخلاقه.


في موقع "كندا اليوم" هل تقومون بحذف بعض التعليقات التي فيها تجريح وشتم للآخرين؟
احترام آراء الجميع هو الفلسفة التي يقوم عليها الموقع والمجال مفتوح للجميع للتعبير عن آرائهم لكن إذا ما كانت هذه الآراء فيها كلام غير أخلاقي ولا يمت إلى عادتنا وتقاليدنا العربية بأي صلة فنحن نتواصل مع من كتب التعليق غير الأخلاقي أو الذي وردت للموقع شكاوى كثيرة عليه ونطلب منه أن يقوم بمسح العبارات التي لا تتناسب مع أخلاقنا وعاداتنا.


 ما أهم المواضيع التي تثار حول المشاكل ويتبعها عنف إلكتروني وتراشق بالتعليقات؟
عادة المواضيع الدينية وأيضاً المواضيع السياسية التي تنقل أخبار الأوضاع في فلسطين وسوريا، أيضاً مشاكل العراق والنزاع الطائفي هناك، وصرنا من خلال تجربتنا للسنتين الماضيتين نعرف أنه إذا ما نشرنا خبراً عن أي من القضايا تلك فإن تراشق وتبادل الاتهامات بين الأطراف المؤيدة والمعارضة سيكون على أشده في التعليقات على هذا الخبر.


هل يوجد في كندا قانون يجرم العنف الإلكتروني وتبادل الشتائم عبر منصات ومواقع التواصل الاجتماعي؟
حقيقة ليس لديّ فكرة عن ذلك لكن كون كندا بلداً ديمقراطياً ويحترم الحريات للآخرين ومنها حرية التعبير عن الرأي فلا أعتقد بوجود مثل هذا القانون، لكن في حال وجود تعليق يشكل إرهاباً أو تهديداً لأمن وسلامة البلد والآخرين فهنا يكون للحكومة موقف آخر تجاه هذا الشخص.


 تجربة المنصات ووسائل التواصل الاجتماعية كيف ترينها وكيف يمكن تقليل العنف اللفظي والشتائم فيها؟
العالم يتطور وصار الناس اليوم يستقون معلوماتهم وأخبارهم من خلال هذه الوسائل والمنصات، واستغنى الكثير منهم عن محطات التلفزيون والكومبيوترات وصار يمسك بجهاز الموبايل لساعات طويلة يتنقل بين تلك المنصات والصفحات، ونحن لا يمكننا أن نمنع القراء والمتابعين من إبداء آرائهم، ولكننا في نفس الوقت موقع حيادي يطرح الأخبار والتقارير بحيادية ويحترم عقلية ومشاعر متابعينا، ولذا نتمنى على متابعينا أو من يقرأ الأخبار والتقارير من موقعنا أن يتعامل معنا على نفس القدر الذي نتعامل معه من احترام لعقليته ومشاعره ونرجو من الجميع الابتعاد عن التجريح والكيل بالشتائم لأنها ليست من أخلاقنا وعاداتنا، كما أن ما يقوله الشخص هو انعكاس لتربيته وأخلاقه وسلوكه، لذا يجب أن يعكس أفضل ما لديه وليس أسوأ ما لديه.

 

من مصر
ماذا عن رأي المتخصصين في مصر حول هذه الظاهرة التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك؟
في البداية تقول د. نجوى خليل أستاذة علم الاجتماع والباحثة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، إن ظاهرة العنف اللفظي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ظاهرة تستوجب التصدي لها ومواجهتها وإيجاد حلول سريعة لها، مؤكدة أنها لا ترتبط بتراجع الوازع الديني فقط، فبالرغم من حضور الوازع الديني لدى الكثير من الشباب من كل الديانات، لكن نجدهم لا يحافظون على القيم الأخلاقية داخل أديانهم.
وأضافت أن التربية والأخلاق من المفترض أن تغرس في الصغر بداخل الأسرة نفسها والقدوة الحسنة من الأهل والجيران والمجتمع كما يدرب عليها الأطفال في المدارس من قبل المدراء والمدرسين والمشرفين وتساعد قصص الأطفال في زرع هذه القيم وتهذيبها كما تسهم وسائل الإعلام بكافة أنواعها في تهذيب الأطفال، إلا أنه أحياناً أو في كثير من الأحيان نجد أن كل هؤلاء يفعلون العكس من المرجو منهم.
وترى أن العنف اللفظي يظهر نتيجة للتقصير والعجز في التواصل بطريقة أفضل. ولا يجب السكوت عن هذا التقصير لما يمكن أن يخفيه من عجز عن التواصل ضمن المجموعة الواحدة قد ينمو بسرعة ويفضي إلى رفض للآخر.
وتضيف: يتنوع العنف اللفظي عبر مراحل الإنسان المختلفة فهناك عنف ضد الأطفال وعنف من المدرسة ضد الطلاب، وآخر ضد المرأة بسبب غياب الحوار لتحل محله قذائف كلامية تجهض أساليب التعامل السوي مع الآخرين.
وتقول الدكتورة إيمان خضر أستاذة علم الاجتماع بالمركز بكلية التربية جامعة عين شمس، إن العنف اللفظي أو أي تفوه بالسب أو الشتم عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يمثل عملية تنفيس مؤقتة يتمكن بواسطتها الشاتم من تمييز نفسه الفاعل في مرتبة أعلى من المشتوم المفعول به على مواقع التواصل الاجتماعي، وبذلك يشعر بالراحة النفسية ثم يقوم بعمل "بلوك" للشاتم على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي. وكثيراً ما يشبه العنف اللفظي بتعويض للعنف الجسدي أو كمرحلة وسطى أو متقدمة للعنف الجسدي، وقد بينت الكثير من الأبحاث كيف أن الكلام البذيء قد تحول على المستوى الفردي أو المجتمع لعنف جسدي.
وتضيف: هناك آثار نفسية خطيرة من جراء العنف اللفظي عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، منها الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق أو المزاج أكثر في حياتهم. وأضافت أن العنف اللفظي يترك آثاراً وأضراراً نفسية أكبر من الأضرار الناجمة عن العنف الجسدي في الغالب! وربما يؤدي إل ضرر دائم في تركيب ونمو وتطور الدماغ البشري.
وتؤكد د. ايمان خضر أن هناك دراسات غربية أكدت أن من تأثيرات العنف اللفظي عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و25 سنة وتعرضوا للعنف اللفظي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تخلف في تطور الاتصال بين الفصين الأيمن والأيسر من الدماغ، وهي نفس المجموعة التي تعاني من نسبة أعلى من التوتر والاكتئاب والغضب والعداء والإدمان نتيجة العنف اللفظي في مرحلة مبكرة من أعمارهم.
وترى د. إيمان أنه لا سبيل لحماية المجتمعات العربية من العنف اللفظي بدون الرجوع لمحكم الكتاب القرآن الكريم وتنشئة الأجيال على قيم الكلمة الطيبة وأثرها ونبذ الكلمة العنيفة الخبيثة وتبيان أثرها على سلامة المجتمع من الانحراف السلوكي المدمر، وضرورة توعية الأسرة بعلاج أزماتها الداخلية بالحوار الهادئ، وتقع مسؤولية هذه التوعية على عاتق المؤسسات الدينية والتعلمية والثقافية والإعلامية وصولاً للفطرة السليمة التي خلقها الله لا تبديل لها.
الدكتور سعيد عبد العظيم أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة يرى أن العنف اللفظي عبر الإنترنت والفيسبوك وفي الحياة عامة يعبر عن خلل عميق في التنشئة، وأن المرأة أكثر تعرضاً للإساءة اللفظية سواء من طرف الزوج أو أهله إذا ما أهملت شؤون البيت، إضافة إلى العنف الرمزي الذي تعكسه إشارات احتقار، تهميش وعزل الآخرين.
وأضاف د. سعيد أن أكثر المراحل العمرية انتشاراً للظاهرة بين المراهقين بسبب التغييرات العضوية والنفسية التي تجعل المراهقين أكثر اضطراباً، وتدفعهم إلى السب والشتم أو التهديد الذي يدفع ثمنه المعلم جسدياً، باعتبار أن العنف اللفظي غالباً ما يؤدي إلى العنف الجسدي.
ويضيف د. سعيد أن من تداعيات العنف أيضاً على الأسرة وخاصة الأطفال هي فقدان الثقة في النفس وتحوله لطفل كئيب وحزين دون سبب مباشر إنما هو تراكم عنف لفظي ظل هماً وألماً يتحمله الطفل ويحبسه بداخله، وبعضهم الآخر يفسر ذلك بسلوكه العدواني وصراخه المستمر، ويكون لذلك عمق واضح لأثر ذلك العنف على نفسيته وبنائه وربما يلجأ بعض الأطفال للعنف كوسيلة للتفاهم فيما بينهم!
دكتور حسن عماد مكاوي عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة يرى أن ازدياد ممارسة الشباب والأسرة عامة للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وما بها من سلبيات وإيجابيات يؤدي إلى مزيد من العنف اللفظي فيما بينهم بسبب عدم القدرة على التحكم في وسائل التواصل وضبطها والتعرف على هوية صاحب حساب الفيسبوك.
ويضيف: إن الدراما العربية ربما تلعب دوراً سلبياً حين تغذي العنف اللفظي من خلال المسلسلات والأفلام التي يشاهدها الشباب ويتأثر بمضمونها، ومثلها الفضائيات التي تحفل بالعديد من المضامين العنيفة والعصبية في الموائد السياسية التي تقدمها بعض الفضائيات!
ومن جانبها ترى د. سهير عثمان مدرسة الإعلام بجامعة القاهرة أن غالبية المواقع على الإنترنت وخاصة التواصل الاجتماعي الفيسبوك تكون مبطَّنة المضمون وغير واضحة وغالبيتها من صنع الهواة مما يجعلها تشكل خطراً على نظام الحاسب مؤكدة أنه نظرًا لعدم وجود رقيب عليهم من قبل الأسرة يجعل الأطفال خاصة يتأثرون بالعنف اللفظي والشتائم التي تتداول على الفيسبوك ومن الممكن أن يتفوهوا بها داخل البيت وفي المدرسة ومع أصدقائهم بشكل تلقائي وربما عفوي.
وتضيف: عند دخول الأطفال إلى الإنترنت من الصعب الوصول مباشرة إلى أي مواقع عنف؛ وإنما المدخل الأساسي للأولاد هو الألعاب بشكل عام. ومن خلال هذه المواقع يتم اختيار الألعاب حسبما يرغب به الأولاد، لا من رقيب ولا من حسيب. قد تكون الألعاب عنيفة، أو قد تكون هادفة وسلسة أو قد تكون موجَّهة بحيث تلعب دورًا نفسيًا يشد الأطفال إليها لتمرير الأفكار المرغوبة. كما نود التوضيح بأن عملية الدخول إلى مواقع الإنترنت واللعب عملية غير واردة نسبيًا، نظرًا لتكلفة الإنترنت. 
ومن جانبها ترى الدكتورة فيفيان فؤاد، أستاذة علم النفس بجامعة حلوان، أن آثار العنف اللفظي عبر الفيسبوك وتويتر وماسنجر وغيرها من الوسائل الحديثة أشد وأكبر بكثير من الألم الذي يحدث نتيجة العنف الجسدي، فآثاره السلبية على الطفل كثيرة ومتعددة، منها تدني مستوى احترام الذات، وعدم الثقة بالنفس، وتعطيل الطاقات الإبداعية، والتأثير على نمو الطفل بشكل عام جسمانياً وعقلياً ونفسياً واجتماعياً وأكاديمياً، أما على المدى البعيد فتزداد نسبة الإصابة بالاكتئاب والانطوائية والانعزالية أو تصعيد روح العدوانية والقلق والأرق والخوف، وغيرها من الاضطرابات النفسية، كذلك زيادة نسبة الإصابة بأنواع الإدمان المختلفة، وإلحاق الأذى بالنفس البشرية.
وتضيف: العنف اللفظي يؤدي إلى الخوف، إلا أن أولئك الأشخاص قد ينكرون هذا القلق والشعور بالرغبة في الهروب والابتعاد عن الشخص الذي يقوم بالاعتداء، وعندما يتلقى الضحية صورة من صور الاهتمام أو الحب من الشخص المعتدي، فإنه يعلم أن هذا الحب مؤقت، وأنه سرعان ما سينقلب إلى حالات الاعتداء قريباً، ولذلك يعيش هذا الشخص في حالة تأهب وترقب مستمرين، ما يجعله لا يثق في ابتسامة أشخاص يحبهم خوفاً من حالة الاعتداء القادمة لا محالة، مؤكدة أنه في حالة اجتماع العنف اللفظي مع العنف النفسي مع العنف الجسدي، فإن التبعات السلبية على الطفل تكون مضاعفة وأشد ضرراً بالطفل ومستقبله.
ومن جانبها، تشدد الدكتورة إيمان صديق، الاستشارية التربوية، على ضرورة تجنب توجيه كلمات قاسية للطفل، وتعزيز السلوك الحسن فيه، لم لذلك من انعكاس على نموه السليم وعلى شخصيته، محذرة من الوقوع في الخطأ، بإنتاج أجيال غير صالحة في المجتمع، موضحة أن أشكال العنف اللفظي تتنوع بين الألفاظ والكلمات التي يستخدمها الوالدان، وتشمل إطلاق أسماء أو صفات على الطفل أو استخدام لغة سوقية، أيضاً السخرية منه والتهكم عليه مما يحط من اعتداده بذاته، إضافة إلى انتقاده المستمر، والتهديد بترك الطفل وإشعاره بأن الأسرة لا تريده، كذلك التخويف بالضرر الجسدي كتهديد الطفل بضربه، ما يزيد مخاوفه، وإلقاء اللوم البالغ عليه، حيث إن لومه الدائم يمنحه الشعور بأنه شخص سيئ يفعل الخطأ باستمرار.
وتضيف أن التنشئة الاجتماعية الخاطئة وعدم متابعة الأهل للأبناء وتوجيههم وتربيتهم التربية السليمة تعد أهم أسباب العنف اللفظي التي يستخدمها الشباب في سلوكهم التفاعلي في المجتمع عبر التواصل الاجتماعي. 
ودعت المؤسسات التعليمية والتربوية والأهل إلى زرع مبادئ الإسلام الحنيف كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية وان ننتهج نهج رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في تصرفاتنا كافة، لأن الفراغ الديني والبعد عن دين الإسلام يسبب العديد من المشاكل المجتمعية، إضافة إلى اتباع وسائل التثقيف والتوجيه والتوعية.

 

كادر:
هناك تقرير حديث صادر من "مركز كروان الأمريكي للأبحاث" يؤكد أن العنف اللفظي والشتائم التي تحدث باستخدام شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من الأشكال التكنولوجية المختلفة، تسببت في ارتفاع معدل العنف ضد الأسرة عامة والمرأة والطفل خاصة، وتهديدهم وإهانتهم، وقد أفادت الدراسات الإنسانية أن ظاهرة العنف اللفظي التي تتمثل في قول الكلام البذيء والسب والشتم تعد قاسماً مشتركاً بين كل اللغات الإنسانية. حيث تمحور معظم الكلام غير المهذب في كل اللغات حول الإساءة بالألفاظ السيئة بما فيها من تحقير للآخر واستلاب لقدرته وإرجاعه لدرجة الحيوان أو حتى الجماد، أي الشيء الذي لا يتحرك! 
وأوضح التقرير أن استخدم المجرمين تقنيات مثل نظام تحديد المواقع، ومراقبة البريد الإلكتروني، في تهديد النساء ونشر العنف بينهم، وبناءً على انتشار العنف ضد المرأة على مواقع التواصل الاجتماعي زادت عدد الملاحقات القضائية بموجب قانون الاتصالات، وارتفع معدل القضايا الخاصة بالتحرش الإلكتروني.


آخر مقالات في القسم