موضوعات

الشاعر حسين بازرعة... نظم الخلود

الشاعر حسين بازرعة... نظم الخلود


كلمات صيغت ألحاناً وأسرت وجدان الشعب السوداني


 ولد الشاعر حسين محمد سعيد بازرعة بمدينة سنكات بشرق السودان في العام 1934م وقضى بها طفولته المبكرة التي اتسمت بالهدوء، ثم انتقل لمدينة بورتسودان، ومنها إلى مدينة أم درمان ملتحقاً بمدرسة وادي سيدنا الثانوية وهي المرحلة التي شهدت من المتغيرات ما جعلت مساراته تتخذ اتجاهات لم تكن في الحسبان. ففي سنته الدراسية الثانية نظمت مجلة (هنا أم درمان) وهي مجلة فنية كانت بمثابة لجنة نصوص لتنقيح الأعمال الفنية المتميزة، نظمت مسابقة للشعر الغنائي فشارك الطالب حسين بازرعة بقصيدة اسمها (القُبلة السكرى) ففازت بالجائزة الأولى ونشرت على صفحات المجلة فالتقطها الفنان المبدع عثمان حسين وقام بتلحينها وأدائها فوجدت قبولاً واستحساناً جماهيريا مُنح على أثره شهادة ميلاد في دنيا الشعر الغنائي، ثم شكل ثنائية مع عثمان حسين ونشأت بينهما صداقة امتدت لسنوات فما إن يذكر عثمان حسين إلا وحضرت ذكرى الشاعر بازرعة الذي اختصه بأروع أشعار الغزل التي نبعت عن تجربة شخصية عاشها كما وصفها في إحدى قصائده (في كل دقيقة) وعاشها معه جمهور من المعجبين، وقد وجدت طريقها إلى قلوبهم مؤمنة على مقولة (يغني المغني وكل على هواه).
هذا من الناحية الأدبية، أما الحياة الدراسية فقد حدث ما جعله يغير خطواته ويتجه إلى دنيا العمل وذلك بعد فصله من المدرسة وهو في السنة الأخيرة لأسباب سياسية، ولم يشفع له تفوقه الدائم فالتحق بالعمل في مكتب شحن وتخليص استمر فيه لمدة خمس سنوات، بجانب نشاطه الرياضي، فقد كان يلعب لإحدى فرق الدرجة الأولى لكرة القدم وأيضاً تقلد مناصب قيادية أبلى فيها بلاء مقدراً.


الوكر المهجور:
اعتاد شاعرنا ارتياد صخرة على شط البحر الأحمر متخذاً منها معزلاً عن كل الناس، يقضي الساعات وهو جالس عليها، وقد شهدت تلك الصخرة أجمل أشعاره وسمعت مناجاته لمحبوبته التي تعلق بها كثيراً وتقدم لخطبتها، ولكن كان لشقيقها رأي آخر فقد أراد تزويجها من شاب من معارفه مما ترك في نفس شاعرنا أثراً ظل ملازماً له طول العمر، وقد خلده في معظم أشعاره، فقرر الهجرة والبعد عن كل ما يربطه بتلك الذكرى المؤلمة في محاولة لنسيانها. ولكن هيهات أن ينسى، فحينما جاء في زيارة لوطنه بعد سنوات هرع إلى حيث صخرته ليرى ما قد فعلته الأيام بها فوجد كل من حولها قد طالته يد التغيير عداها فقد كانت جاثية في موضعها وكأنه لم يفارقها فهيج مرأها ذكرى محبوبته التي خيل له كأنها تجلس عليها فكتب رائعته (الوكر المهجور) تقول كلماتها:
كانت لنا أيام في قلبي ذكراها
 ما زلت أطراها
يا ليتنا عدنا أو عادت الأيام
إن أنسَ ما أنسى ذكراك يا سلمى
في وكرنا المهجور المهجور والصمت قد عمّ
تحلو لنا الشكوى والحب والنجوى
لن أنسى نجواك والهمسة والبسمة
وحرارة الأنفاس في قبلتي لما ضمتك يمناي
يا سعد دنياي
وغفوتي في صدري نشوانة بالأحلام
كيف أنسى أيامي وفكرتي الكبرى
يا وحي إلهامي وفكرتي الكبرى
يا وحي إلهامي إن عمت الذكرى
ذكرى ليالينا في خدر واديك
الليل أهواه في شعرك الناعم 
لكن تباعدنا دهراً وما عدنا
الوكر يا سلمى 
أو عادت الأيام
تلك الكلمات نظمها بعد عودته من أرض مهجره التي اختار أن تكون مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية التي لا تفصلها من مدينته بورتسودان سوى مياه البحر الأحمر ذهب إليها بعد أن غدرت به الأيام وسلبته حبه الوحيد فلم يكن أوفر حظاً ممن سبقوه في دنيا العشق أمثال عنترة وقيس وجميل وغيرهم ممن كان مصيرهم العذاب والحرمان، ولكن بالنسبة لبازرعة فقد امتد ألمه وعذابه حينما نعى له الناعي موت حبيبته وملهمة أشعاره فحزن عليها حزناً شديداً ظل ملازماً له بعد أن غدت ذكرى لا تبارح قلبه فعاش في معزل إلا من بعض الأصدقاء.. كان الأمير الشاعر عبد الله الفيصل أقربهم إليه الذي بموته قرر العودة إلى وطنه وكأنما كتب عليه فراق الأحبة. عاد إلى وطنه بعد أن جاب الكثير من دول العالم فقد كان يجد في التسفار مبتغاه، عاد إلى موطنه الذي لم ينسه فقد كان يرسل إليه التحيات والأشواق وفي قصيدة حملها جوانب كثيرة من حياته أرسل إلى الوطن أشواقه المتدفقة، اختار لها اسم (قصتنا)
بالمعزة بالمودة البينا بي اغلى الصلات
بالهوى العشناه باعصابنا خمسة سنين ومات
بالعذاب الشفته والسر الكتمته وباقي الطيبات
استحلفك اترك سبيلي وسيبني وحدي
اقاسي وابكي مُر الذكريات
بحناني الغالي خصيتك وحبيتك 
بكل جوارحي وعواطفي العميقة
وانا شلت من أجلك هموم الدنيا 
قاسيت من جراحها وكل ضيقها
بسعادتك أنت كم ضحيت واتغربت
ما خليت طريقة
وفي مسيري المضني من أجل الحقيقة
كل طائر مرتحل عبر البحر قاصد الأهل 
حملته أشواقي الدفيقة
ليك يا حبيبي للوطن لترابه
لشطآنه للدار الوريقة 
لكن حنانك ليّ أو حتى مشاعرك نحوي
ما كانت حقيقة
كانت وهم ..كانت دموع
مسفوحة باحرف انيقة
ما بايدي لو ضباب الغيرة اعماني 
وزيف للحقيقة
أنت نبع حناني أنت كياني 
أنت الدنيا بهجتها وشروقها
وأن حصل زلت خطاي معاك أو ضلت طريقها
هل تصدق تنتهي قصتنا 
يا أجمل حقيقة
نحن عشناها بدموعنا وبالضنى في كل دقيقة
يا حبيبي
لم تزل قصتنا قصة حب أقوى من الحقيقة
    كان الشاعر حسين بازرعة شديد الرقة والإحساس لدرجة أنه كان لا يحب الاستماع إلى قصائده وقد ذكر ذلك في لقاء أجري معه وقال إنها ذكريات مؤلمة وإن صديقه الفنان عثمان حسين قد زادها شجناً بألحانه. 


الرحيل:
في يوم من أيام شهر رمضان المعظم، هو يوم الثلاثاء 18 رمضان الموافق 13 يونيو، ومع خطوط الفجر الأولى توقف قلب شاعرنا الشفيف عن الخفقان ولبى نداء ربه راضياً مرضياً بإذنه تعالى، وخرجت شمس ذاك اليوم وقد غاب عن دنيانا نجماً وفارساً في شتى ضروب الشعر؛ فقد كتب للوطن وللوحدة العربية ودعم القضية الفلسطينية بقصيدة اسمها (عرس الأربعين) رغم أنه اشتهر بالشعر الغنائي الرومانسي، رحل شاعرنا عن عمر يناهز 83 عاماً بعد حياة حافلة بالعطاء والإبداع تاركاً منتوجاً زاخراً من الأغنيات وديواني شعر هما (البراعم ) و(سقط المتاع) رحل بعد عودته لحضن وطنه مودعاً للغربة مرسلاً مرثية أسماها (مرثية الرحيل) كانت آخر ما نظم من الشعر، ودع فيها شقته التي جاء قرار من بلدية جدة بإزالتها وكان أن أودعها كل أيام عمره التي قضاها على جنباتها.
         مرثية الرحيل
غدا أقول وداعاً شقة العمر 
على صدى من قرار غير منتظر
أتى النذير بلا وعيد ليخبرني
رحيلك ما أقساه من خبر
حقا أودع داراً حبه الأثر
تموج بالروح والإيناس والذكر
قضيت شرخ شبابي بين أضلعها 
وبين أركانها أودعت مدخري

 


آخر مقالات في القسم