موضوعات

أوهام الشـــــــــــــك لدى البعض...

أوهام الشـــــــــــــك لدى البعض...


تبدأ من شهر العسل


اعرض تجربتين لسيدتين على قدر معقول من العلم والأخلاق والجمال، مرت بهما أيام عصيبة في بدء حياتهما الزوجية.


التجربة الأولى
تزوجت من رجل يمت لها بصلة قرابة بعيدة ويعرف عنها أكثر مما تعرف هي عنه. وقد عاشت معه شهوراً هادئة لا تتخللها غير بضعة خلافات مصدرها نفس الشيء الذي تحبه المرأة وتكرهه في وقت واحد (الغيرة).
قالت: إن زوجها كان محتملاً بالرغم من هذه المنغصات التي كانت تنظر إليها على أنها شيء لا بد أن يعترض سعادتها، حتى جاء يوم قدّم لها فيه ورقة مطوية ملوثة بالأتربة وقال في صوت غاضب مضطرب:
لقد وجدت هذه الورقة في الحمام. واصفر وجه الزوجة، وتناولت الرسالة الصغيرة بيد مرتعشة وقرأت فيها بضع كلمات غرامية هزيلة يبدو أن كاتبها مراهق. قالت وهي تدفع إليه بدليل الاتهام: 
- وما شأني بهذه الورقة؟! 
- لقد وجدتها في بيتي. 
- أجابت: لست أعرف عنها شيئاً. 
- وهل أعرف أنا؟ 
- وصاحت الزوجة وهي تنتفض غضباً: ماذا تقصد؟ 
- لا شيء. ولكن صبراً فقد أضع يدي يوماً على كل ما أريد أن أعرفه. 
وبكت الزوجة، واتهمت زوجها بالضعف مرة، وبالتفاهة وضيق الأفق مرة أخرى. وثار الزوج، وانطلقت الاتهامات والألفاظ الجارحة من هنا وهناك فأصابت ما أصابته من كرامة الطرفين. كان يوماً عاصفاً كئيباً تلته أيام أخرى أكثر كآبة، ولم يتراجع الزوج. بدأ يلجأ إلى "نظام المراقبة". وبدأت الزوجة تتعذب وتفقد الإحساس بالأمان، ولم تهدأ لمدة أيام. أخذت تذبل وتنطوي على نفسها وتثور لأي كلمة لا تعجبها من زوجها، حتى قدم لها الزوج أخيراً اعتذاراً شافياً وافياً بأنه عثر على تلك الورقة المطوية عند باب البيت الخارجي وليس في الحمام وأنه لا يملك إلا أن يكره نفسه؛ لأن شكوكه اتجهت إليها في لحظة ضعف أصابته. واقتنعت الزوجة بأن للشيطان همسات خبيثة تدير الرؤوس وتسمم الأفكار، وبدأت تطمئن إلى مكانتها في نظر زوجها كسيدة جادة مخلصة يقدرها حق قدرها. عادت المياه إلى مجاريها تقريباً، ولكن حدث ما عكر الجو وأثار الزوبعة مرة أخرى، فقد دخل البيت في مساء أحد الأيام زائر شاب من أقرباء الزوج المحببين إليه، ولم يكد يستقر في مقعده حتى هتف رب البيت: أنت نصاب كبير، ألم يكن موعدك معي هنا يوم الجمعة الماضي؟ 
وقال الشاب ضاحكاً: لست نصاباً لأنني جئت ولم أجد أحداً. وعلى الفور تغير وجه الزوج وارتعشت أهداب عينيه. فقد كانت معلوماته تقول: إن زوجته لم تغادر البيت في ذلك اليوم، وأنه نزل وحده عندما يئس من مجيء قريبه، ولم يتمالك الزوج أعصابه فصاح: ماذا تقول؟ وبنفس الابتسامة الباهتة قال الشاب: أقول إنني طرقت الباب حتى استغاثت أصابعي ولم أجد أحداً في البيت، فمن الذي ينصب على الآخر؟ 
وازداد وجه الزوج غضباً وحول عينيه إلى زوجته. كانت نظرة قاسية ملتهبة تحمل اتهاماً سريعاً طائشاً. وانتظرت السيدة البريئة أن يتكلم. أن يصرخ فيها، ولكنه آثر الصمت حتى استأذن الضيف وترك وراءه حريقاً في قلب كل منهما لم تطفئه هذه المرة غير غضبة هائلة من جانب الزوجة ودموع كثيرة تساقطت من عينيها، خاصة بعد أن اعترف الشاب فيما بعد بأنه لم يقصد بكلماته الكاذبة غير الدفاع عن تقصيره بطريقة مرحة لاهية ولا شيء غير ذلك. ثم تلاشت هذه الزوبعة وعادت الحياة مشرقة سعيدة. 


التجربة الثانية
أما الزوجة الثانية فقالت لي: إنها تزوجت من رجل لا يمت لها بصلة القرابة أو الجوار أو حتى صلة الزمالة، وأنها كانت تحب فيه رجولته وشهامته وطيبة قلبه خلال تلك الشهور الحالمة في وقت الخطبة. ولكنها فوجئت بتصرفات غريبة من زوجها بعد أن عادت معه من رحلة شهر العسل. كانت تستأذنه في الذهاب إلى الخياطة مثلاً أو إلى الأهل أو إحدى الصديقات فيأذن لها ويخرج إلى عمله، وبعد قليل يكلمها هاتفياً في المكان الذي ذهبت إليه ويطلبها لكي يقول لها بضع كلمات لا أهمية لها... وقد ظنت أول الأمر أن هذا "منتهى الحب" وأنه الشوق والإخلاص. ولكن هذه الهواية لم تتوقف لمدة شهور. لقد وصل به الأمر إلى الاستعانة ببواب البيت لكي يراقب تنقلاتها وتصرفاتها. ومن يدخل البيت في غيابه. ومن يخرج منه، وأشياء أخرى كثيرة. منها مثلاً هذه الابتسامة التي تبادلتها مع أحد أقربائها بلا مناسبة، وتلك المجاملة التي خصت بها أحد أصدقائه بدون داع. وهكذا عاشت شهوراً من حياتها الزوجية.
لم تكن تعرف ماذا تعني هذه التصرفات بالضبط، أحياناً كانت تشكو لأمها وتقول في غيظ: "إنه غيور يا أمي، غيور إلى درجة لا تطاق". وأحياناً كانت تبكي أمامها، هو يشك في كل شيء... هل تصدقين؟ وشعرت الأم بالقلق لهذه الغيرة وذلك الشك، ونصحتها بوقفه عند حده قبل أن يتمادى في ظنونه، وقبل أن يجعل منها على مر الأيام زوجة لا كرامة لها ولا حقوق.

 

نصيحة أم
وعملت الابنة بالنصيحة فوراً، كانت كلمات الأم كأمر بالهجوم، وعندما أحست بالعيون تراقبها من جديد صرخت في زوجها يوماً: ألا تثق بي؟ أريد أن أعرف من أنا هل تزوجتني من الشارع لكي تعذبني بهذه الشكوك والعيون التي ترصدها حولي؟ وشحب وجه الزوج وتمتم في ارتباك: من قال إنني لا أثق بك؟ 
أنت بالطبع؛ تصرفاتك وشكوكك التي حطمت أعصابي. وصاح الزوج في غضب: كفاك مبالغة؛ إنني أثق بك تماماً وإلا لما قبلت أن أربط حياتي معك. وعادت الزوجة تصرخ: إذن فأنت لا تثق بنفسك إنه التعليل الوحيد، هل تنكر ذلك؟ ومن يومها والنار تشتعل في البيت الصغير بين الحين والآخر. فقد استمر الزوج في خطته. وتكرر غضب الزوجة ونزلت ضيفة على أمها مرة ومرتين، بل وهددت بفراق لا رجعة فيه، ومع ذلك، فقد كان الزوج يعتذر ويتألم ويندم ثم يعود إلى طبيعته ولا يهدأ إلا إذا وقف على كل تحركات زوجته وكل تصرفاتها داخل البيت وخارجه. وفجأة وبلا مقدمات، وبعد خمسة شهور توقف الزوج عن هذه التصرفات التي حيرت زوجته. وعادت تتنفس من جديد هواء أكثر نقاء، وترى في عيني زوجها نظرات مطمئنة واثقة فيها معنى الحب الحقيقي وعادت الحياة تبتسم شيئاً فشيئاً في وجه الزوجة، ولم تعد الغيرة أو الشك تسيطران على عقله، ومرت الشهور وهي لا تنسى أبداً ذلك الكابوس. وهي تسأل نفسها: هل هناك تفسير معقول لهذه الظاهرة؛ ظاهرة الغيرة التي تمتزج بالشك في قلوب بعض الأزواج خلال فترة قد تقصر أو تطول من بدء حياتهما الزوجية؟


الوقاية خير من العلاج
نعم، هناك تفسير واحد، وهو نوع الحياة التي عاشها هؤلاء الرجال. فكثير من الأزواج لهم ماضٍ حافل بالتجارب العاطفية المثيرة. والكثير منهم لهم علاقات سابقة مع نساء متزوجات، ولذلك فإنهم يتخيلون دائماً أن الكأس ستدور حتى تصل إلى شفاههم، وأنهم قد يقفون يوماً نفس الموقف إذا حولتهم نساؤهم إلى "أزواج مخدوعين" والعياذ بالله! 
أما بعضهم الآخر فهم من الرجال الذين رأوا أن الحقوق التي كسبتها المرأة لم تقتصر على الجانب المادي فقط، وإنما تجاوزتها إلى جوانب أخرى لا ترضي الرجال، فقد أصبح لها حق الحب والاختيار وحق التعبير عن الإعجاب في بعض الأحيان، ثم لم تكتف بكل هذا، وإنما أخذت تقلد الرجل إلى حد ما وتبحث لنفسها عن "مغامرة" عابرة ترضي غرورها كأنثى تستطيع بسهولة أن تمتلك القلوب وتجذب أكبر عدد من المعجبين، ولذلك فإن هؤلاء المغامرين والخائفين من النساء لا يمنحون ثقتهم بسهولة، وإن حاولوا فهم يفشلون دائماً، إنهم يتعاملون مع زوجاتهم في شهور العسل الأولى على طريقة "الوقاية خير من العلاج". وهم في الغالب يرسمون هذه الخطة العنيفة لكي يسيروا عليها في بدء حياتهم الجديدة، فإذا اطمأنوا إلى أنهم أثبتوا القوة، وأنهم أدخلوا في قلوب الزوجات نوعاً من الرهبة أو نوعاً من الخوف يمنعهن من مجرد التفكير في الانحراف يساراً أو يميناً اطمأنت خواطرهم وهدأت أعصابهم، وإذا اطمأنوا مع الأيام إلى أن زوجاتهم أكثر صلابة مما يظنون، وأن شكوكهم مجرد أوهام تنغص عليهم حياتهم، تلاشت هذه الأوهام والشكوك، وتناقصت حدة الغيرة، وعادت الحياة إلى جمالها وإشراقها من جديد. 
هل يقنعك هذا التفسير يا سيدتي؟ وهل أنت من هؤلاء الزوجات المظلومات اللواتي يعاملهن أزواجهن بهذه الطريقة؟ على أي حال لن أطالبك بالصمت أو عدم الدفاع عن كرامتك، ولكنني أطالبك بضبط أعصابك قدر المستطاع، وأطالبك بألا تقلقي كثيراً أو تثوري بطريقة عنيفة قد تحطم بيتك؛ فكلها أشهر قليلة ثم يعرف زوجك من هي السيدة التي يعيش معها، وعندما يفهمك جيداً ويراك على حقيقتك تتلاشى كل هذه المنغصات فجأة ووقتها لن تدهشي كثيراً إذا ذهبت شكوكه وأوهامه فجأة واختفت نظرات الاتهام من عينيه والكلمات الظالمة على شفتيه. 


آخر مقالات في القسم