الوجه الآخر لكورونا - بقلم / فاديا القصيباتي




زار العالم زيارةً غير مرغوب بها، وأرخى بظلاله القاتمة والبائسة على أكثر دول العالم، وكتم على أنفاس الناس أجمعين بأقنعة الوقاية التي غدت الزيَّ العالميَّ الرسميَّ الذي لم يفرق بين عرق أو جنس أو دين، وأردى بجميع البشر متباعدين متفرقين بين قارئ أو دارس وبين مشاهد ومتابعٍ لأخباره؛ وأسوأ صنف هو ذلك الأشعث الذي تقوَّس ظهره وذبلت عيناه من كثرة الجلوس على حاسوبه بغية مشاهدة الأفلام والمسلسلات وتتبع أخبار المشاهير، وتحوَّل عالمه إلى قوقعة مغلقة لا يدخل إليها النور بتاتاً، فينقطع عن العالم الحقيقي ويترك عنانه ليغوص في عالمٍ افتراضي يبحر خلاله في دهاليز الشبكة العنكبوتية حتى تحكم سيطرتها عليه وتفقده كل ما يملك من إبداع مهارات وقدرات ومعارف. ومع هذا يأتيك في نهاية اليوم يئن من آلام المفاصل والظهر ووجع الرأس ويلعن الفيروس الذي كتب عليه ألا يخرج من المنزل! بالمقابل، لو نظرنا إلى نصف الكأس الممتلئ لوجدنا أنه بين أربعة جدران تعلَّم أحدهم لغة أخرى واطّلع على ثقافة جديدة، وتواصل مع شعوب عديدة فشارك معهم عاداته وتقاليده واكتسب منهم ما هو مفيد ونافع. وآخر استغل وقته دقيقة بدقيقة ليحفظ كتاب الله؛ فكان الحجر المنزلي هبة ونعمة له ليعيده إلى هدى الله عز وجل، وليكون له حجة يوم القيامة وسبباً في نجاته يوم الدين. وآلاف الكتب الإلكترونية تم تحميلها وقراءتها من قبل البعض لتحملهم عبر صفحاتها إلى أروع وأعظم الأماكن وتسرح بخيالهم لتبني لهم عالماً جديداً؛ عالماً بعيداً عن بؤس الواقع الذي ملأه الكثير من المتشائمين بلعن الفيروس وتبعات انتشاره. هؤلاء من حوّلوا بيوتهم إلى كهوف غنية بالألماس والذهب، فلم يكن الفيروس والحجر المنزلي بالنسبة لهم سوى غنيمة استثمروها لتعود عليهم بالفائدة والخير في المستقبل، كأنهم أخذوا فترة نقاهة واستراحة ليشحنوا عقولهم ويزودوا أرواحهم بغذاء غفل عنه الكثيرون! فأي طريق اخترت أنت؟ فجوابك الآن سيكون محور ما أنت عليه بعد بضع سنين.
التعليقات
اترك تعليقاً


مواضيع أخرى للكاتب